
سبق أن كتبت مقالين عن الخطوط الجوية السودانية، لأنني أؤمن أن “سودانير” ليست مجرد شركة طيران، بل هي جزء من ذاكرة الوطن ورمز من رموز سيادته. كان المقال الأول بعنوان “سودانير… أقدلي وسكتي الخشامة”، وهو عنوان حمل بين حروفه محبةً صادقة لهذا الناقل الوطني الذي ظل لعقود يحلق باسم السودان في سماء العالم، ويجسد صورة الوطن في المطارات الدولية. أما المقال الثاني، فقد كان نداءً صريحاً إلى السيد وزير البنى التحتية والنقل، والسيد وزير المالية، والسيد رئيس مجلس الوزراء الدكتور كامل إدريس، بضرورة دعم هذه المؤسسة الوطنية حتى تستعيد مكانتها وريادتها.
وفي ذلك المقال تحدثت عن الكابتن مازن العوض محمد الحسن، وقلت إنه يمثل نموذجاً للقيادة الشابة والكفاءة الوطنية، وإن ما قدمه لسودانير خلال فترة تكليفه بإدارة الشركة كان يستحق أن يُترجم إلى ثقة رسمية وتعيين أصيل. واليوم، وقد صدر قرار مجلس الوزراء الانتقالي رقم (151) لسنة 2026م بتعيينه مديراً عاماً للخطوط الجوية السودانية، فإننا نرى أن الدولة قد وضعت الرجل المناسب في المكان المناسب، وإن جاء هذا الإنصاف بعد انتظار طال.
إن تعيين الكابتن مازن ليس مكسباً لشخصه فحسب، وإنما رسالة تؤكد أن الكفاءة والخبرة والإخلاص ما زالت تجد طريقها إلى مواقع القيادة. فهو أحد أبناء سودانير الذين عرفوا تفاصيلها من قمرة القيادة إلى مكاتب الإدارة، وأسهم خلال السنوات الماضية في جهود إعادة التأهيل والتطوير، وظل يعمل بإخلاص لإعادة الناقل الوطني إلى موقعه الطبيعي بين شركات الطيران الإقليمية والدولية.
غير أن نجاح المدير العام الجديد لن يتحقق بالقرارات وحدها، وإنما يتطلب دعماً حقيقياً من الدولة، مالياً وإدارياً وتشريعياً، حتى يتمكن من تنفيذ خطط تحديث الأسطول، وتأهيل الكوادر، وتوسيع شبكة التشغيل، واستعادة ثقة المسافرين. فإعمار سودانير جزء أصيل من مشروع إعمار السودان، ولا يمكن الحديث عن نهضة اقتصادية واستثمارية وسياحية دون ناقل وطني قوي يحمل اسم البلاد إلى العالم.
ولعل ما يدعو إلى التفاؤل أن وزارة البنى التحتية والنقل تمضي بخطوات هادئة لكنها واثقة في دعم مؤسسات الدولة الاستراتيجية. فقد شهدنا مؤخراً تعزيز أسطول الخطوط البحرية السودانية بسفينة جديدة، في مؤشر واضح على وجود إرادة لإحياء المؤسسات الوطنية التي تمثل أعمدة الاقتصاد السوداني.
كما يستحق السيد وزير المالية والتخطيط الاقتصادي الإشادة على ما يبذله من جهود كبيرة في إدارة الاقتصاد الوطني رغم التحديات التي فرضتها الحرب، وهو يعمل على توفير الموارد وإسناد مؤسسات الدولة حتى تواصل أداء رسالتها في هذه المرحلة الدقيقة.
ولا يفوتنا أن نثمن اهتمام السيد رئيس مجلس الوزراء الدكتور كامل إدريس، الذي يضع إعادة بناء مؤسسات الدولة ضمن أولويات حكومته، إيماناً بأن مرحلة ما بعد الحرب لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالمؤسسات القوية والقيادات المؤهلة.
إن سودانير ليست مجرد طائرات تقلع وتهبط، وإنما هي راية وطن، وجسر يربط السودان بالعالم، وعنوان لكرامة الدولة وهيبتها. وكل خطوة تُتخذ لإعادتها إلى سابق عهدها هي خطوة على طريق الإعمار، ورسالة أمل بأن السودان قادر على النهوض من جديد، بعزيمة أبنائه وكفاءة رجاله، وبدعم قيادته، وعلى رأسها رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح البرهان.
سيظل الأمل كبيراً بأن يعود “صقر الجديان” إلى التحليق عالياً، وأن تستعيد سودانير مكانتها التي تستحقها، لتكون كما كانت دائماً… جناح الوطن الذي لا ينكسر.



